مرّ بالأحساء .. فدون أمثالها وحكى عنها في كتاب ظلّ يُقرأ أكثر من ألف عام!!

الزيارات: 4394
تعليقات 5
https://www.hasanews.com/?p=6466077
مرّ بالأحساء .. فدون أمثالها وحكى عنها في كتاب ظلّ يُقرأ أكثر من ألف عام!!
د. عبدالعزيز الضامر

مرّوا بالأحساء (5)

اللغوي. أبو منصور الأَزْهَري

282-370هـ

895-981م

 

يعتبر أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري من أهم أئمة اللغة في تراثنا العربي, حتى قال عنه ابن الصلاح في طبقات الشافعية الكبرى (ص:83): “الإمام الكبير في علم اللغة”, وقال عنه الذهبي في السير (16/316): “وكان رأساً في اللغة”, ولد في هَرَاة من إقليم خراسان, ثم ارتحل إلى بغداد بقصد طلب العلم, وقدَّر الله أن يَمُرَّ بالأحساء (بإقليمها العام) ويُقيم فيها سنة كاملة, ومن ضمنها هجر التي هي أحساؤنا الحالية, وذلك سنة (311هـ), ولم يكن ذلك برغبة منه, إنما وَقَعَ في الأسر لدى بعض أهلها, إبَّان سيطرة القرامطة على الإقليم آنذاك, مما جعله يلتصق بعرب الأحساء وبعض قبائلها كهوازن وتميم, واستفاد من لغتهم التي لم يجد فيها لحناً.

قال ابن كثير في طبقات الشافعيين (ص:228): “فكان مع قوم من العرب فصحبهم سنة, فاستفاد منهم أشياء حسنة”.

وقال الصفدي في الوافي بالوفيات (2/35): “فبقي عندهم دهراً طويلاً فاستفاد منهم ألفاظاً في اللغة”.

وقد وَثَّق أبو منصور الأزهري حادثة الأسر فقال في مقدمة كتابه: تهذيب اللغة (1/8): “وكنت امتُحنت بالإسار سنة عارضتِ القرامطةُ الحاجَّ بالهبير، وكان القومُ الذين وقعتُ في سهمهم عرباً عامتهم من هوَازن، واختلط بهم أصرامٌ من تميم وأسد بالهبير, نشأوا في البادية يتتبعون مساقط الغيْث أيامَ النُّجَع، ويرجعون إِلى أعداد المياه, ويرعون النَّعمَ ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطباعهم البدوية, وقرائحهم التي اعتادوها، ولا يكاد يقع في منطقهم لحنٌ أَو خطأ فَاحش, فَبَقيت في إسارهم دهراً طويلاً.

وكنا نتشتَّى الدَّهناء، ونتربع الصَّمَّان، ونتقيَّظ السِّتارَين، واستفدت من مخاطباتهم ومحاورة بَعضهم بَعْضًا ألفاظاً جمّة ونوادر كثيرة، أوقعتُ أَكْثَرهَا فِي مواقعها من الكتاب، وستراها في موضعها إِذا أتَتْ قراءتك عليها إِن شاء الله”.

وقال في موضع آخر (12/62): “..وفيها نخيلٌ كثيرةٌ, وأحساءٌ عَذْبة، وآطام جَمّةٌ، وقد أَقمت بهَا مَعَ القَرامِطة قَيْضة”.

وقد حاولت التعرف أكثر عن طبيعة هذا الأسر, وطبيعة هذه الإقامة, فلم يسعفني في ذلك إلا نصوصاً منثورة في كتابه (تهذيب اللغة) تحكي أبرز مشاهداته ومعارفه في هذا القطر الذي عاش فيه حولاً كاملاً منها الآتي:

حديثه عن بعض الأماكن والمواضع في الأحساء التي قد مَرَّ بأغلبها:

1- البُحَيْرة: وإنما ثَنَّوْا البحرين؛ لأنَّ في نَاحيَة قُراها بُحَيْرَةً على باب الأحساء، وقرى هَجَرَ بينها وبين البحر الأخضر عَشْرَةُ فَرَاسخ، وقَدَّرْتُ البُحَيْرَة ثلاثةَ أميالٍ في مثلهَا، ولا يَغِيضُ مَاؤُهَا، وماؤها راكد زُعاق. وقد ذكرها الفرزدق فقال:

كأنّ ديارًا بَين أَسْنُمَة النَّقا وَبَين هَذَالِيل البُحَيْرَة مُصْحَفُ. (5/27)

2- ثاج: قرية في أعراض البحرين, فيها نخَلٌ زَينٌ. (11/117)

3- السِّتاران فِي ديار بني سعد: وادِيان يُقَال لهما السَّوْدة، يُقَال لأَحدهما: السِّتارُ: الأغبَر، وللآخر: السِّتار الجابرِيّ؛ وفيهما عُيُونٌ فَوَّارَة تَسقِي نَخيلاً كثيرة زِينةً, منها عينُ حَنِيذ، وعينُ فِرْياضٍ، وعينُ بَثاء، وعينُ حُلوة، وَعين ثَرْمدا، وهي من الأحساء على ثلاثة أميال. (12/265)

4- الصَفا والسرِيّ: نهران يتخلَّجان من نهر مُحلِّم الذي بالبحرين يسقي قرى هجر كلها. (2/176)

5- العُقَير: قرية على شاطىء البحر بحذاء هَجَر. (1/148)

6- اللعباء: سَبَخة معروفة بناحية البحرين بحذاء القطيف وسِيف البحر. (2/249)

7- مُتَالِع: جبل بناحية البحرين بين السَوْدة والأحساء, وفي سفح هذا الجبل عَين يسيح مَاؤُهَا، يُقَال لَهَا: عين مُتَالِع. (2/162)

8- مُحَلِّمٌ: عين فوارة بالبحرين, وما رأيت عيناً أَكثر مَاء منها، وماؤها حَارٌّ في منبعه، وإذا بَرُد فهو ماءٌ عَذْبٌ، ولهذه العين إِذا جرت في نَهْرِها خُلُجٌ كثيرة تَتَخَلَّجُ منها، تَسْقِي نخيل جُؤَاثا وعَسَلَّج وقُرَيَّاتٍ من قرى هَجَر, وَأرى مُحَلِّماً اسمَ رجل نسبت العين إليه. (5/70)

حديثه عن بعض الألفاظ والمفردات الأحسائية التي سمعها:

1- احتَسَيْنا: وسمعت غيرَ واحدٍ من بني تميم يقول: احتَسَيْنا حِسْياً أَي أنْبطْنا مَاء حَسْيٍ، والحَسْيُ الرَّمْل المتراكم أَسْفَله جبل أصلدُ، فَإِذا مُطِرَ الرمل نَشِفَ مَاء المطر، فإِذا انتهى إِلى الجبل الذي أسفَلُه أمسكَ المَاء ومنع الرملُ حرَّ الشمس أَن ينشف المَاء فَإِذا اشْتَدَّ الْحر نُبِثَ وجْهُ الرمل عن الماء فنبَعَ بَارِدًا عذباً يتَبَرَّضُ تبرُّضاً, وقد رأيت في البادية أحْسَاءُ كثيرة على هذه الصفة منها أحساء بني سعد بحذاء هَجَرَ وقُرَاها وهي اليومَ دارُ القرامطة، وبها مَنَازِلُهم, ومنها أَحْسَاءُ خِرْشَافِ وأَحْسَاءُ القطيف”. (5/110)

2- ألا وَنَدُّوا خَيْلَكُم: سمعت عريفاً من عُرَفاء القَرامِطَة يقول لأصحابه وقد نُدِبُوا للنهوض فِي سَرِيَّة استُنْهِضَتْ (ألا وَنَدُّوا خَيْلَكُم)، المعنى ضَمِّروها وشُدُّوا عليها السُّروج وأَجْرُوها حتى تَعْرَق. (14/135)

3- ومن أمثالهم -العرب- (سِطِي مَجَرّ تُرطِبْ هَجَرْ) يُريدُ: توسَّطي يَا مَجَرَّةُ كَبِدَ السَّمَاء، فإنَّ ذَلِك وقتُ إرْطَابِ النَّخِيلِ بهَجَرَ. (10/257)

4- مَشِّن اللِّيف: سمعتُ رجلا من أهل هجر يقول لآخر: مَشِّن اللِّيف، مَعْنَاهُ: مَيِّشه وانْفُشْه للتَّلْسِين. (11/262)

5- المشعوف: وأهل هجر يقولون للمجنون: مشعوف. (1/279)

حديثه عن بعض الأطعمة الأحسائية:

1- التَّعضوض: تمر أسود، التَّاء فيه ليست بأصلية, وفي الحديث أنَّ وفْد عبد القيس قَدِموا على النبي r فكان فيما أهدَوا لَهُ قِرَبٌ من تعضوض..

قلت: وَقد أكلت التعضوض بالبحرين فَمَا أعلمني أكلتُ تَمْراً أحمَتَ حلاوةً مِنْهُ، ومنبته هَجَر وقُراها. (1/61), (14/22) والتعضوض هو ما يُسمى الآن بتمر الرزيز فهو أسود اللون فاحم.

2- العُمْر: نخل السُكّر يُقَال لَهُ: العُمْر، وَهُوَ مَعْرُوف عِنْد أهل الْبَحْرين, وَأنْشد الرياشيّ فِي صفة حَائِط نخل:

أَسْود كالليل تدجَّى أخضرُهْ

مخالط تعضوضُه وعُمُرُهْ

بَرْنيَّ عَيْدَانٍ قَلِيلا قَشَرُهْ

..وقد أكلت أَنا رُطَب العُمْر ورُطَب التعضوض وخَرَفتهما من صغَار النّخل وعَيْدانها وجَبّارها. (2/233) ويقصد بالبَرْني تمر الخلاص.

3- العَنْدَم: قال الْأَصْمَعِي فِي قَول الْأَعْشَى: سُخَاميَّةً حَمْرَاء تُحسب عَنْدما, قال: هو صِبْغ زعم أهل البحرين أَن جواريهم يختضبن بِهِ. (3/227)

5- التَّبِّيُّ: ضربٌ من تمر البحرين رديءٌ يَأْكُلهُ سُقَّاطُ النَّاس. (14/182)

حديثه عن بعض الأدوات الزراعية التي تستخدم في الأحساء:

1- الجَرِينُ: الموضع الذي يُجْمَعُ فِيهِ التمر إِذا صُرِمَ، وهو الْفَدَاءُ عِنْدَ أَهْلِ هَجَر. (11/27)

2- الخَصَفُ:..وَيُقَال للجِلالِ الَّتِي تُسَفُّ من الخوصِ ويُكْنَزُ فيها التمر: خَصَفٌ..وأهل البحرين يُسَمّون جِلال التَّمر خَصَفاً, ومنه قول الشاعر: (تَبيعُ بَنيها بالْخِصَافِ وبالتَّمْرِ..) (7/68)

3- الرَّنْد: والرند عند أهل البحرين شبه جُوالِقٍ وَاسع الْأَسْفَل, مخروط الأعْلَى يُسَفُّ من خَوصِ النَّخل، ثمَّ يُخَيَّط ويُضْرب بالشُّرْطِ المفتولة من الليف حَتَّى يَتَمَتَّن فَيقوم قَائِماً، ويُعَرى بِعُرًى وثيقةٍ ينْقل فِيهِ الرُّطب أيّام الْخِراف، يُحمل مِنْهُ رَنْدان على الْجمل القويّ، ورَأَيت هَجَرياً يَقُول لَهُ: النَّرْد وَكَأَنَّهُ مقلوب، وَيُقَال لَهُ: القَرْنة أَيْضاً. (14/67)

4- السِّجِّين من النّخل: قال الأصمعي: .. السِّلتِينُ بلغَة أهل الْبَحْرين. (10/314)

5- العَطِيلُ: شِمْراخ من شماريخ فُحّال النّخل يؤبَر بِهِ, سمعته من أهل الأحساء (2/98)

6- الغرْفيةُ: رَقيقةٌ من جلودٍ يؤتَى بهَا من البحرَينِ، وغرَفيَّةٌ: دُبغتْ بالغرَفِ. (8/110)

7- قِلالُ هَجَر: وقد رأَيتُها بالأحساء، فَالقلّةُ مِنْهَا تأخذُ مَزَادَةً من المَاء، وتملأ الرَّاوية قُلتَيْن، ورأيتهم بالأحساء يسمونها الخرُوس وَاحِدهَا خَرْسٌ، ورَأَيتُهُم يسمونها قِلالاً؛ لِأَنَّهَا تُقَلُّ: أَي: ترفعُ وتحوَّلُ من مَكَان إِلَى مَكَان، إِذا فرغت من المَاء.(8/232-233) والخرس عند أهل الأحساء إناء فخاري يُوضع فيه التمر.

8- الْمِخْلَبُ: وسمعت النَّخْلاَوِيِّينَ من أهل البحرين يقولون للحَدِيدَةِ الْمُعَقَّفَةِ التي لَا أُشَرَ لها ولا أسنان الْمِخْلَبُ. (7/178), وهي ما تُسمى حالياً بالعكفة.

ومن الأمور المُحزنة ذكره لبعض الأمراض التي تصيب الساكنين في الأحساء ومن ذلك قوله (5/28): (ومن سَكَن البحرين عَظُمَ طِحَالُه), وذلك نظراً لوجود بعض الأوبئة المنتشرة في المكان.

كما اعتبر بعض أجوائها من الأجواء غير الصحية كأجواء الوَمَد التي تكون في الصيف والخريف ومن ذلك قوله (14/153): والوَمَد لَثَقٌ ونَدًى يَجِيء من جهة البحر إِذا ثار بخارُه، وهَبَّتْ به الرِّيحُ الصَّبا، فيقع على البلاد المتاخمة, له مثل نَدَى السماء وهو مؤذٍ للنَّاس جداً لِنَتْن رائحتِه، وكُنا بناحية البحرين إِذا حَلَلنا بالأسياف، وهَبَّتْ الصَّبا بَحْرِيةً لم نَنْفَك من أَذَى الوَمَد، فَإِذا أَصْعَدْنا في بلاد الدَّهناءلم يُصِبنَا الوَمَدُ.

ويبدو لي أنَّ أبامنصور الأزهري يقصد بالوَمَد ما يُسميه أهل الأحساء حالياً بالطَلْ, فيحذرون الناس من النوم في السطح نهاية الصيف وقرب الشتاء لكون ممرضاً, ولذلك نجده ينقل كلام الليث بن المظفر الكناني في معنى مفردة السُّعْن فيقول (2/63): ظُلّة يتّخذها أهل عُمَان فَوق سُطُوحهم من أجل نَدَى الوَمَد.

ولم يغب عن قلم الأزهري بعض الممارسات الإجرامية التي صنعها القرامطة تجاه أهل الأحساء خاصة النساء فقال (1/242): فَتح أَبُو سعيد القِرمِطِيّ هَجَرَ سوَّى حِظاراً من سعَف النَّخل وملأه من النساء الهَجَريَّات، ثمَّ أَلعجَ النَّار فِي الحِظار فاحترقْن.

ومن الواضح أنَّ الأزهري كان منزعجاً للغاية من تولي القرامطة للأحساء حتى وجدته يدعو عليهم بالإبادة مرتين من ذلك قوله (2/130): “وسمعت أعرابياً من بني سعد بالأحساء يقول: كان أَمر كذا وكذا على عِدّان ابن بورٍ، وابن بور كان والياً بالبحرين قبل استيلاء القرامطة أبادهم الله عَلَيْهَا. يُريد: كان ذلك أيام ولَايَته عليها”.

كما تكلَّم عن منطقة الدَّو الواقعة قرب البصرة من طريق مكة فقال (14/158): “وقد قطعتُ الدَّو مَعَ القرامطة أبادهم الله, وكانت مَطْرَقَهم قافلين من الهبير فَسَقَوْا ظهْرهمْ، واستقوا بحَفَر أبي مُوسَى الذي على طريق البصرة, وفَوَّزُوا في الدَّوِّ وَوَرَدُوا صَبِيحَة خامسةٍ مَاء يُقالُ له: ثبرة، وعَطَبت فِيهَا بُخْتٌ كثيرة من إبِل الحاجّ؛ لبلوغ العطش منها والكلال”.

 

التعليقات (٥) اضف تعليق

  1. ٥
    مسيب الودعاني

    تاريخ جميل ورائع

    لكن استوقفني عندما ذكر المؤلف بأن تمر البرني هو الخلاص ، وبعض كبار السن الحاليين وبعض أهل العلم من الأحساء كالشيخ م. عدنان العفالق ذكر لنا بأن البرني المقصود به : الرزيز

    فهل من توضيح لذلك ، شاكراً ومقدراً

    محبك /
    م. مسيب بن عبدالرحمن الودعاني

  2. ٣
    رائدة محمد

    من اقيم ما قرأت

  3. ٢
    حساوي

    الحمدالله رب العالمين وذكرها عند الرسول الاكرم با انهم من السابقين لدخول الاسلام بدون حرب وثالث مسجد بعد مسجد النبي ص واله وهو مسجد الجواثه

  4. ١
    زائر

    د عبد العزيز الضامر احسائيٌ وفيٌ لمسقط رأيه و محبوبته الحسناء الاحساء، فجزاه الله خيرا على هده المعلومات الرائعة المفيدة ، و اعلق ايضا تأييدا لنا ذكره الاستاذ مسيب ان الرزيز هو البرني و الله اعلم لانه الأقرب لوصفه الوارد في بعض المراجع و لانه الاكثر غرسا في الاحساء الى قريب حتى تحول الذوق الى التمر الخلاص ، و تمنيت من الدكتور عبد العزيز ان يوضح ما هو تعليقه و نا هو من قول المؤلف ابن منصور لانه احيانا لا يتضح للقارئ ذلك،
    اخي العزيز د عبد العزيز في انتظار المزيد من انتاجك و ابداعك شكر الله لك

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>