مرّوا بالأحساء (2)

محقق التراث د. عبد الفتاح الحلو

الزيارات: 8907
تعليقات 6
https://www.hasanews.com/?p=6456659
محقق التراث د. عبد الفتاح الحلو
د. عبدالعزيز الضامر

1356 – 1414هـ
1937 – 1994 م

قَدِم الأستاذ عبد الفتاح الحلو الأحساء سنة (1377هـ) بقصد التدريس في معهدها العلمي, وكان عمره (21) سنة تقريباً, وقد استغرق ذلك سنتين تقريباً كان من أبرز ما دار فيها الآتي:

تدريسه في المعهد:

حيث أخذ يُدَرِّس مواد اللغة العربية خاصة مادتي الإنشاء (التعبير) والأدب العربي, وكان ذا هيبةٍ وعلم غزير, مُتمكناً من مادته التي يُقَدِّمها, أُوتي قوة وفصاحة في البلاغة والبيان, مُرهف الحِسِّ يُحبُ سماع الشعر, وكان يُشَجِّع الطلاب في مادة التعبير ويُدَرِّبهم على صياغة قطع إنشائية تُساعد في تقوية ملكاتهم.

حضوره مجالس الأحسائيين:

فقد امتاز بحبه للخُلَطة والاجتماع, والتعرف على ثقافة البلد وعاداته, بتواضعٍ جَم, وخلقٍ رفيع, وبأريحية المصريين المعروفة, فكان يُشارك الأحسائيين مناسباتهم كالأفراح والولائم وحضور الجنازة والعزاءات, وكذلك بالمشاركة في الرحلات مع طلاب المعهد.

وكان يغشى المجالس بغترته وثوبه ومشلحه, خاصة مجالس العلم والأدب كمجلس آل مبارك التي كان يحضرها مع الشيخ عبد الله أبو شبيب –عندما كان مراقباً للمعهد آنذاك- ويُعرفه بها ويُعرف الناس به.

مشروعه “شعراء هجر”:

استمتع الأستاذ الحلو بما يُدار في هذه المجالس, لا سيما ما كان فيها من القصائد والأشعار الخاصة بشعراء المنطقة, مما جعله يُدرك أنَّ في البلد إنتاجاً أدبياً طيباً أدهشه بُعدُ يد التدوين عنه, وزهدُ القومِ في حفظه من الشتات والضياع, فَطَرَحَ فكرة جمع شعر الشعراء في المنطقة وذلك ابتداء من القرن الثاني عشر إلى الرابع عشر الهجري, وساعده في ذلك مجموعة من طلابه في المعهد حيث تبنوا جمع هذه القصائد من مظانها, وأخذوا يُقابلون وينسخون معه في بيوتهم أو في بيته الكائن بحي المنصورية في الهفوف, وذلك في فترة العصر أو بعد العشاء, عند ذلك قام أحد طلابه وهو الشيخ محمد بن عبد الله المبارك فسافر إلى البحرين وعَرَض على الشيخ سلمان بن عيسى آل خليفة – حاكم البحرين آنذاك- فكرة طبعِ الكتاب, فمنحهم مبلغاً ضخماً – في ذلك الوقت- وقدره (10,000روبية) على إثره طُبع في القاهرة سنة (1379هـ), وقد لقي الكتاب أصداءً طيبةً فَرِحَ به الأحسائيون.

ولنترك الأستاذ الحلو يُحدثنا عن قصة هذا المشروع في مقدمته للكتاب أسوقها بطولها؛ لأهميتها ولأنها ترصد توثيقاً تاريخياً لفكرة هذا المشروع (ص:35-38): “..فلهذا الكتاب قصة بدأت حينما وطئت رجلي أرض الأحساء, وعشت بين أهلها, والتقيت بعلمائها وفضلائها, فقد كانت تطرق سمعي أبيات كثيرة لم أسمع بها من قبل, كنت أسمعها في كثيرٍ من المناسبات حينما تُعرض فكرة, أو يقع حادث, أو يلم من الأمور ما يدعو إلى التمثل والاستشهاد, وبدأت أسأل وأستفسر, وأخيراً علمت أنَّ هذه الأبيات لشعراء مَضَوا وخَلَّفوا وراءهم نتاجاً شعرياً رائعاً, يعتز بهِ أهل البلاد, ويُكثرون من ترديده, والتمثل به.

ثُمَّ دُعيت إلى مَحافل كثيرة, وسرَّني من هذه المحافل أن تُزَيَّن بالقصائد الرنانة والنغمِ الجميل من الشيخ عبد الله أبي شبيب, فهو راوية لشعراء هجر, يحفظ من هذا الشعر أجوده وأنقاه.

وسألت عن هذا التراث الأدبي الحافل, ودُهِشتُ حينما علِمتُ أنَّ القليل منه محفوظٌ في الصدور, وأنَّ الكثير منه تحويه الأوراق القديمة عند بعض المعنيين بالشعر أصحاب الحفاظ عليه, وأنَّ أكثر هذا الكثير قد ذهب وضاع, إمَّا بسبب الأعراب وتخريبهم للأحساء أكثر من مَرَّة في أواخر حُكم العثمانيين, أو لإهمال الورثة أمره, وقد ضاع كثير من الإنتاج الأدبي والشعري عن هذا الطريق, فقد أُخبرت أنَّ بعض الناس كان يرث من المؤلفات والكتب الخطية الشيء الكثير, ثُمَّ يُغلق عليها الباب, ويتركها للسوس والتراب, أو يضعها على سطح بيته للرياح والمطر والشمس.

وقد حداني إعجابي بهذا التراث الشعري إلى جمعه, والبحث عنه, فاستخرت الله عز وجل, وصحبني أخي محمد بن الشيخ عبد الله آل مبارك (الطالب بالمعهد العلمي) في هذا الأمر, وعَرَّفني بالمشايخ الأفاضل, وعلماء البلدة الكرام, وبدأت مع نُخبةٍ من طُلاَّب المعهد العلمي-جزاهم الله خيراً- في النقل من المخطوطات القديمة, وكم كانت هذه العملية صعبةً وشاقة, فكثيرٌ من الأوراق ممزق, وكثيرٌ منها مَخروم, قد لَعِب فيه السوس وضربته الشمس, وكثيرٌ من الخطوط التي كُتِبَ بها شعرُ الشعراء يستعصي علينا في هذه الأيام حل رموز بعض كلماتها واصطلاحاتها.

ولقد كانت مُهمتي في النقل والمراجعة والمُقابلة تستدعي الكثير من الجهد واليقظة والحرص.

وقد تفضل علينا هؤلاء الأفاضل, فأمدونا بمخطوطاتهم, وأوسعوا لنا من صدورهم ودورهم, ما سَهَّلَ مهمتنا, وذلل الصعب فيها: -ثُمَّ ذكر أسماءهم- ثُمَّ قام الأخ محمد بن الشيخ عبد الله آل مبارك بالسفر إلى البحرين, حيث وَفَدَ على صاحب العَظمة الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة حاكم البحرين المُعَظم, فأكرم مثواه, وأغدق عليه من كَرَم آل خليفة وسماحتهم, ما أثلج صدرَه, وأبرَد قلبه, وتكرَّم حفظه الله فأمدَّنا بتوجيهاته الرشيدة, وأسبغ علينا من عطفه وتأييده, ثُمَّ أمر من الأموال بما أعان على أن يخرج هذا الكتاب للناس.

وبعد وصولي إلى القاهرة حَضَر صاحب السمو الشيخ خالد بن محمد آل خليفة إليها, وتفضَّل فسلَّمَني عَون صاحب العَظمة, بما عُرِف عن آل خليفة الكرام من بشاشة وجه, وحُسن لقاء, وكرم خُلُق..”.

 

تحقيقه لديوان “ابن المُقَرَّب العيوني”:

بعد أن غادر الأستاذ الحلو الأحساء, أراد أن يُقَدِم لها تواصلاً علمياً وفاءً لهذا القُطر الذي أحبه وعشقه, فعكف على تحقيق ديوانٍ لشخصيةٍ أحسائية في القرن السادس الهجري وهي علي بن المُقَرَّب العيوني (ت:630هـ) الذي تَعَرَّف عليه الأستاذ الحلو وأُعجب بشعره أثناء إقامته في الأحساء وهذا واضحٌ من خلال حديثه عنه في مقدمة الديوان فقال (ص:6-7): “وابن المُقَرَّب شاعرٌ ذائع الصيت في الجزيرة العربية, ولكنا لا نعرف عنه قليلاً أو كثيراً في مصر, ولعلَّ نصيبه في الشهرة وذيوع الصيت في بقية البلدان العربية لا يفضل نصيبه في مصر, وليس هناك من سبب لهذا إلاَّ العزلة التي كان يعيش فيها إقليم البحرين, وانصراف المؤرخين إلى حواضر الخلافة..وقد أثار هذا الأمر اهتمامي حينما كنت أعمل بالأحساء فأخرجت كتابي “شعراء هجر” مُسَجِّلاً فيه النهضة الأدبية لهذه المنطقة في القرون الثلاثة الأخيرة, واليوم يخرج هذا الديوان “ديوان ابن المُقَرَّب” ليُلقي ضوءًا على هجر في النصف الثاني من القرن السادس والنصف الأول من القرن السابع, وأبتهل إلى الله أن يُوفقني لإلقاء مزيدٍ من الضوء على هذا الإقليم من الناحيتين: الأدبية والتاريخية”.

وقد طُبع الديوان سنة (1382هـ) عن دارٍ أحسائية تُعرف بمكتبة التعاون الثقافي لصاحبها الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المُلا رحمه الله, التي قال عنها الأستاذ الحلو في ختام مُقدمته(ص:14-15): “ولقد حَرِصت مكتبة التعاون الثقافي لصاحبها الشيخ عبد الله المُلا على أن تحتضن هذا الجهد العلمي, وأن تكون سبَّاقةً في ميدان نَشر التراث الثقافي لأُمتنا, فعَمِلت على طبع الديوان ونشرِه, وهي بذلك تُقَدم إلى عُشاق الأدب ومُحبي ابن المُقَرَّب هديةً يذكرونها على مَرِّ الأيام, وأملنا كبير في أن يلقى عملها هذا كل تشجيع وحفز حتى تواصل جهادها في هذا السبيل”.

حُبُّه للأحساء:

قام فيها سنتين كانت من أروع السنوات في حياته, ثُمَّ انتقل إلى الرياض, ولا زال تواصله مع أهل الأحساء خاصةً في المناسبات, وما إن يسمع بأحد من أحبابه الأحسائيين قد قَدِم الرياض إلاَّ وأكرمه ورحَّب به, وهذا دليلٌ قاطعٌ على حبه لهذا البلد الحبيب, وما تسميته أيضاً لداره التي خصصها للطباعة والنشر -بعد أن عاد إلى القاهرة- بدار هجر إلاَّ دليلٌ على ذلك الحب الذي يُكِنه للأحساء وأهلها.