القطار السريع…

الزيارات: 1150
تعليقات 5
https://www.hasanews.com/?p=6440275
القطار السريع…
آمال العرجان

قبل عام من الآن ، مررت بتجربة أثناء المناوبة المدرسية ، وقت الفسحة ، فقد جاءت إلىّ احدى الصغيرات و تعلقت بي ثم جاءت اخرى و هكذا و للخروج من الازدحام طلبت منهم بالإشارة فقط الاصطفاف خلفي لنلعب ” القطار السريع” كان العدد بسيطاً و خرجنا إلى الساحة ثم بدأ القطار يتضاعف طولاً ..! و كانت مفاجأة بحق ، حين رأيت الصف المشوه خلفي ، يصل إلى اكثر من ١٥٠ طالبة من كافة الصفوف من أصل ٢٤٠ طالبة ، مجموع طالبات المدرسة.  كنّا جميعاً في حالة نفسية غريبة اختلطت مشاعرنا بين ضحك و صراخ و عنف أحياناً بسبب “من يمسك مقدمة القطار” ..!

ما حصل في المدرسة يومها ، كان شكلاً من أشكال السلوك الجمعي الذي ينشأ تلقائياً دون تخطيط مسبق و هو غالباً سلوك لا تحده ضوابط و لا يمكن التنبوء به أو السيطرة عليه و قد يُوجه هذا السلوك من قبل آخرين لتحقيق نتائج معينة ربما لا يعلم الحشد نفسه عنها شيئاً … و هذا ما حدث حين تحولت لعبتنا بقدرة قادر إلى تفعيل لأسبوع المشي الذي طالبتنا به الإدارة …! و مع أن هذه النتيجة تحديداً إيجابية ، إلا أن الغالب على نتائج السلوك الجمعي ، أنها كارثية . فينبأنا التاريخ عن ثورات و جرائم حدثت بسبب سلوك القطيع كما يسميه علماء النفس ، مع أنني أفضل تسميته سلوك السرب … فالكل حيوانات لكن السرب أخف وطأة من القطيع ..! و كذلك تحدث عنه المصطفى صلى الله عليه و سلم حين قال :

( لا يدري القاتل فيما قَتَل و لا المقتول فيما قُتِل ..!)

المخيف في السلوك الجمعي ، ظهوره في مراحل مبكرة من حياة الإنسان ففي قطار مدرستي كانت أكبر الفتيات سناً ذات اثني عشر ربيعاً و الباقي اصغر و اصغر حتى سن الخمس سنوات، و هذا العمر مطابق تماماً لعمر ذاك السرب من الصبية الذين مزقوا كتبهم تباعاً على مرأى و مسمع من العالم و راح ضحيتهم مئات بل  ربما ألاف الأوراق و راحت معها، همة قائد خسرته الوزارة و كسبه التعليم.

مع التمدد الهائل لوسائل التواصل لم يعد للسلوك الجمعي مكان ثابت ، كالموقع الذي حشد فيه قوم ابراهيم النار ليحرقوه أو كميدان التحرير في مصر الذي تزعمت سلوك القطيع فيه هدى شعراوي بداية و لم تكن النهاية عند ٢٥ يناير ..! فاصبح السلوك الجمعي قابل للاستثارة في كل زمان و مكان و يجمع أناساً يستحيل اجتماعهم إلا في العالم الافتراضي و هذا ما يجعله اليوم أشد خطورة من نار ابراهيم ..!

يكفي  لجمع الحشد ( #هاشتاق ) وسم على تويتر او انستغرام ..! ففي دقائق معدودة تستطيع حصد ألاف المؤيدين و قد يكون من بينهم مخالف لكنه لن يجرؤ على مخالفة الجمهور صراحة ، فقد يكتفي بالمشاهدة فقط و انتظار النتائج .. و قد يضطر البعض إلى فصل موظف أو التخلي عن رأي صائب خوفاً من ردة فعل السرب ..!

في السلوك الجمعي يتحرك الجمهور معاً أو لنقل يتصرف معاً بروح واحدة تشكلها مجموعة من المشاعر النفسية المكبوتة أو المواقف غير المنتهية في العقل اللاواعي.

في مجتمعنا ظهر هذا السلوك بصورٍ شتى و كان ميدانه التحريري ، ساحة تويتر ..! عرفنا من خلال هذا السلوك الانقيادي أننا مجتمع إنسانية و تكاتف حين تجمعنا و دفعنا و تصدقنا بل و منا من حج و اعتمر عن طفلة مصابة بالسرطان اسمها سارة ابراهيم، اتضح بعد حين انها ستارة للنصب و الاحتيال ، و هذا امر إيجابي نوعاً ما لكن هذا السلوك الجمعي نفسه حمل البعض على نقل صورة سلبية عن شبابنا و أننا شعب أقصى همومه جمال ايفانكا ترامب و فستانها مع أن البلد استضافت قبل سنوات من هو أكثر منها حكمة و ذكاء، ميشيل أوباما ، و استضافت قبل عقود من هو أكثر منها أناقة حينها، الليدي ديانا سبنسر ..!

لكل ما سبق ينبغي علينا النظر في علم نفس الحشود و هذا المقال دعوة، لدراسة السلوك الجمعي بتويتر إن لم يتناوله أحد حتى الآن أو لتطبيق توصيات الدراسة إن كانت موجودة .

و لكل ما سبق أيضاً ، يجب على عقلاء المجتمع إعادة توجيه السرب و تصحيح مسار القطار ، فليست كل النتائج مشروعاً لتدوير الورق أو بناء مسجد ليهودية ..!

تذكرتُ أمراً مهما ، الجيد بشأن هذا الموضوع أن هذا السلوك كفقاعة الصابون مهما كبرت ، تتلاشى بسرعة  .. تماماً كقطار مدرستي السريع الذي توقفت عجلاته مع انطلاق جرس الحصة الرابعة …!

 

 

دمتم بخير … 

التعليقات (٥) اضف تعليق

  1. ٥
    زائر

    مقال رائع يامبدعة حكى قصص حدثت للاسف في واقعنا استمتعت وأنا أقرأ’,,,,,,
    بارك الله فيك وسلم يمناك يالغالية

  2. ٤
    فهد السنيني

    السلام عليكم ورحمة اللة وبركاته صباح الخير مقال جميل جدا وإبداع في الفكر شكرا لكي اختنا الفاضلة الكاتبة امال العرجان بارك الله فيكي وكثر الله من أمثالك

    • ٣
      أمينة البراك

      نعم نحتاج لدراسة مثل هذا السلوك.. ونحتاج مم يتظر إلى الأحداث من حوله بعين الناقد المفكر
      عزيزتي ابدعت في صياغة هذا المقال والهمتي الفكر أفكارا حول الموضوع .. بارك الله في قلمك ونفع به .

  3. ٢
    زائر

    مقال هادف تربوي وتوعوي لايكتب الا من انسانه حساسه ومبدعه تحمل افكار مجتمع. . شكرا لك استاذه امال العرجان بنت الاحساء

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>