رقيبٌ عتيد

الزيارات: 416
1 تعليق
https://www.hasanews.com/?p=6431539
أحمد العويس

“كل ما واجهت لك في الزمن وجه غريب مثل ما قـــال المثل دام تمشي مشها” سعد ابن جدلان

حدثني – رحمه الله – وهو على سريره الحديدي الأبيض، يتقلب هو على السرير أم يتقلب السرير البالي عليه، فكلاهما أفناهما الزمن وأبقاهما الأجل. حدثني عن سره الدفين الذي أخفاه عن الخلق إلا الخالق سبحانه، شعر برغبة جامحة للكلام فأشار بإصبعة إلى علبة التبغ و بعينه إلى النافذة، و بدأ يتحدث بحرارة عن شتاء قارس، يقول وعينيه تنظران إلى العدم: كنا نجتمع في الماضي أنا ومجموعة من المفكرين والأُدباء في “قهوة أبو مشعاب” حيث قمت بحجز جلسة خاصة لنا لنناقش فيها ماضي شعب الله المختار، ونتشعب فيما حصل بالأمس دون أن نصل إلى اليوم، نتحدث عن سنة الجراد تارة، وسنة الطبعة، وعن سنة الفقع حيث ظهر الفقع بشكل غير مسبوق وفي أماكن غير مألوفة مثل سفوح الجبال والطرقات، حتى أن أهل الإبل كانو يبعدون ابلهم عن الأماكن التي تنبت فيها الفقع، لأن الإبل عندما تطأ عليه تنزلق لكبره وارتواءه، و عن سنة الجوع – كافانا الله واياكم شرور نوائب الدهر- . ولم نكن نتحدث عن المستقبل أبدا الى في توقع نتيجة مباريات النصر السعودي – حيث كان غفر الله له من كل ذنب نصراوي النشأة والميول- ، كنا نحلل الماضي وننتقد أدباءه نقرأ معلقاتهم ومداركها، نقرأ للمفكرين حين يفنون وننتقد ما كتبوا وتبدد حبره، لم نخرج من بوتقة التاريخ المثمل الا لنثمل! ثم سرعان من نعود إلى تلك البوتقة السحرية.

يقول بعد أن اعتدل في جلسته وازداد جحوظ عينيه: لقد استشعرت أهمية ما نناقش حول الجمر محليا وحول الموائد الخضراء خارجيا، وقررت سرا أن أقوم بتدوين ملاحظاتنا حول السقطات والهفوات التاريخية بهدف التدوين والفائدة فقط – ورفع اصبعه إلى السماء وأقسم لي بالأيمان المغلظة أن تدوين المعلومة من أجل الحفاظ عليها كان هدفه فقط-، يتابع وقطرات العرق تتحرك بصعوبة فوق جبينه المجعد: مع مرور الأيام صعبت عليّ الكتابة فأصبحت أسجل الصوت و وظفت من يقوم بتفريغ المحتوى و أرشفته حسب المصدر.

توقف عن الحديث و كأنه تراجع عن رغبته في البوح، ولكن سرعان ما انطلق لسانه بعد ان نظر بألم إلى الأجهزة الكثيرة التي يعيش عليها جسده بأمر الخالق سبحانه، يتابع حديثه مصارعا سكرات الموت فارا منه إليه: حين شعرت أنني جمعت ما شئت أن أجمع، أخبرت مجموعة المفكرين والأدباء رحمهم الله جميعا بما عملته يداي من خلفهم، توقف قلب أحدهم حينها وسقط صريعا فور انتهائي من الحديث معهم، تمت مقاطعتي و

وصفتُ بعدة أوصاف كان وصف الخائن ألطف ماقيل لي، البعض ضرب على أكباد الإبل وشد الرحيل إلى دنيا يصيبها، والاغلب ضُربَ فوق قبره التراب.

أشار بيده الى مفتاح مربوط في سلسلة من الذهب فوق الطاولة الكئيبة التي لا تزال تحتوي على اغلب ما قدم له من غداء، ثم فتح فيه ونظر الى السماء في ذهول، بدأت الأجهزة بالنياح و اللطم تودع من احتظنت، أخذت المفتاح من على الطاولة، كُتبَ على الميدالية الحافظه قول الله تعالى : ” مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ(18)” ق.

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    زائر /عوده المصبحي

    الله يغفر لسعد ولوالديه ولوالدينا ووالديكم وللمسلمين .

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>