لوازم النقد

الزيارات: 1192
التعليقات: 0
https://www.hasanews.com/?p=6393752
لوازم النقد
عبداللطيف الوحيمد

​الأدب مطلب ضروري لفهم الحياة والإستمتاع بها والنقد مطلب ضروري لفهم الأدب والإستمتاع به من خلال ما يقوم به من تفسير ظواهره الدقيقة وكشف أسراره الغامضة وسبر أغواره العميقة لاستجلاء قيمه وجمالياته الشكلية والمضمونية لمساعدة القارئ على تذوقه وتقديره وإشراكه في تجربة الشاعر أو الناثر بما يجعله يتوحد وجدانياً معه وينصهر في بوتقة معاناته.
​غير أنه يلزم هذا النقد أصول وأسس ومقاييس سليمة وإلا فقد وظيفته وضل مساره وتخبَّط في متاهاتٍ معتمةٍ لا توصله إلى غايته المنشودة وبذلك يشكل ضرراً على الأدب ومتلقيه وأصول النقد هي أن تكون لدى الناقد المعرفة الكافية بطبيعة الأدب بوجهٍ عام ومذاهبه وفنونه وتياراته قبل ممارسة العملية النقدية مع الأصالة وهي الإلتزام بمناهج النقد الأصيلة المتعارف عليها وعدم اعتساف النصوص الأدبية العربية لتخضيعها لمقاييس النقد الأجنبية تقليداً للآخرين دون فهمٍ أو إدراكٍ لخلفيتها الفكرية والثقافية فالمذاهب الغربية لا تصلح أن يقاس بها أدبنا ويوصف بها أدباؤنا لأنها تعبر عن معتقداتٍ وأفكارٍ وعاداتٍ مختلفةٍ عن مجتمعنا ولا يمكن أن نزرع في بيئتنا مناهج نبتت أصلاً وتشكَّلت في بيئاتٍ نقيضةٍ لها في الخصائص الفكرية والنفسية والاجتماعية وهذه مشكلة النقد العربي المعاصر الذي تأثر بالمدارس النقدية الغربية فلوى عنق الأدب العربي قسراً للإذعان لنظرياتها التي أساءت لأدبنا وشوَّهت صورة أدبائنا وحطَّت من شأنهم في عيون الجيل الحاضر .
​ ومن أهم مقاييس الناقد الثقافة الواسعة والصدق في القول والموضوعية في الأحكام مع الحيادية في الموقف والنزاهة وعدم التأثر بطبيعة العلاقة الشخصية التي تربطه بالكاتب إيجابيةً كانت أو سلبية إذ يجب عليه التجرد من الهوى والعصبية في إصدار الأحكام والأقوال والأوصاف وأن يقول الحق وإن كان مراً لأن أحكامه ستكون مصدر ثقة القارئ ومصداقيته فيبني عليها موقفه من الكاتب ونتاجه شعراً كان أم نثراً وأن لا يحكم وهو غاضب فكما لا ينبغي أن يحكم القاضي وهو غاضب لا ينبغي أن يحكم الناقد وهو غاضب فقد يرجع عن حكمه بعد حين ولا يمكنه عندئذٍ إصلاح ما أفسده وما طبعه في نفسية قارئه عن المنقود وأن يكون هدفه من النقد الإرتقاء بالفن الإبداعي من خلال طمس عيوبه ونقاط ضعفه وقبحه وتوضيح محاسنه ونقاط قوَّته وجماله ولا يكون حكمه مثلاً على نتاج الشاعر كله منطلقاً من حكمه على قصيدةٍ واحدةٍ فهذا الحكم العام يضر بالشاعر ويجحف حقه ويغمطه فلا بد أن يستقرئ مجموعةً من نصوصه الشعرية ويصدر الحكم الجُملي بعد ذلك على الشاعر وشعره استناداً على ما استنتجه من دراسته النقدية لها بتأنٍ وتثبُّت وتعقل ووفق ذوقٍ واعٍ وحس مرهف وإلاستقراء يعني جمع ملاحظاتٍ محددةٍ في إصدار حكمٍ عامٍ وبعبارةٍ أخرى استنتاج عددٍ من المعلومات والملاحظات وترتيبها ومن ثم إصدار الأحكام العامة عليها وأن لا يكون نقده انتقاداً أي يتناول الجانب السيء من النص ويهمل الجانب الحسن ففي ذلك ظلم للمنتقد إذ لابد من الإشارة إلى المحاسن والمساوئ في آنٍ معاً والبدء بالمحاسن قبل المساوئ بأسلوبٍ خالٍ من التجريح أو التشهير أو الإهانة والتحقير مالم تكن نصوصاً إباحيةً تدعو للفجور والإنحلال والرذيلة ففي هذه الحالة يجب ألاَّ تأخذ الناقد في المنتقد الرأفة .
​وهناك فرق بين النقد والإنتقاد فالنقد كما أسلفت يتناول النصوص الجيدة والرديئة من حيث المستوى الفني على السواء وتوضيح مواطن القبح والجمال فيها والقوة والضعف ويحلل النص الأدبي إلى جانب معنوي وجانب لفظي وتلقي الأثر الجمالي للنص يكون دفعة واحدة دون تحليلٍ مرحلي أو تجزئة ويجب أن يكون النقد من خلال القراءة للنص لا من خلال السماع لأن السماع يفوِّت على الناقد جمالياتٍ كثيرة فيه فلطبيعة التلقي القرائي أثرها في تعميق الإستبصار بجماليات النص وأسراره مما يجعل المتلقي قارئاً أو ناقداً يجد لذته في هذه السياحة عبر أجواء النص الفسيحة أما الإنتقاد فهو المتوجِّه لفضح المثالب وتجنب المناقب في النص المنتقد والناقد المنصف والعادل لا يتشبث بالذنب اليسير وينسى أو يتناسى الإحسان الكثير وهناك خلط أيضاً لدى البعض بين النقد ومسألة أخرى وهي الدراسة البلاغية للمادة الأدبية حيث يصفها البعض بالدراسة النقدية وهي ليست كذلك والدراسة البلاغية للمادة الأدبية هي التي تتناول النصوص الجيدة فقط وتهمل الرديئة وتشير بطبيعة الحال إلى مواضع الجمال والقوة والحسن فيها من أجل رفع ذوق المتلقي وتربية حاسته الجمالية والفنية .
​أما ما ينشر مع الأسف الشديد في صحافتنا حالياً كما يقول الأديب محمد الصويِّغ فلا يمثل النقد الملتزم بأصول النقد وأسسه ومناهجه وإنما يمثل في جوهره انطباعاً عابراً جاء نتيجةً لعلاقاتٍ شخصيةٍ محضة بين الناقد وصاحب العمل الأدبي تحكمه المجاملة الصرفة وتعتريني الدهشة حين أقرأ لأحد النقاد تحليلاً نقدياً لقصيدةٍ منشورةٍ فلا أكاد أقف من خلال التحليل على نقدٍ موضوعيٍ للقصيدة وإنما أقرأ تطبيلاً وتزميراً لصاحب العمل حيث يكيل الناقد أصنافاً من عبارات المديح والثناء والتمجيد لصاحب القصيدة وينسى القصيدة التي هو بصدد نقدها أو تفسيرها أو تقييمها وهذه الطريقة من الأسباب الرئيسية التي أوصلتنا للشللية التي ترفع من مقام إنسان وتخفض من مقام آخر أو ترفع من مدرسةٍ أدبيةٍ وتحط من أخرى والنقد بمفاهيمه الصائبة المتعارف عليها هو الكشف عن الإبداع في العمل الأدبي وتقديمه للقارئ على أسسٍ واعيةٍ تحلل الإبداع بخصائصه ومميزاته واتجاهاته ولا يعني النقد الإساءة للكاتب أو السخرية بملكاته الفنية.
​والدراسة النقدية لا غنى عنها لأي عمل أدبي فهي التي تؤكد قيمته الفكرية والفنية ولا يمكن للنقد أن يزدهر إلا بازدهار الإبداع والعكس صحيح فالنقد هو العمود الفقري لكل الإبداعات الأدبية وتراجعه مرتبط بتراجع الإبداع والعكس حيث يتراجع الإبداع بتراجع النقد لأنهما متلازمان يدور أحدهما حيث يدور الآخر.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>