المتقاعدون

الزيارات: 1403
تعليقان 2
https://www.hasanews.com/?p=6367070
المتقاعدون
د. عبدالله الحميدي

وإذا كانت النفوس كبارا — تعبت في مرادها الأجسام

بلوغ هذا السن نعمةٌ عظيمة من الله ينبغي شكرها واستثمارها ، فإن الفَسْحَ في أجل المؤمن خيرٌ له ، فهو فرصةٌ للتزود من الأعمال الصالحة -الدينية والدنيوية -.

دخل سليمان بن عبد الملك المسجد ، فرأى شيخاً كبيراً ، فدعا به ، فقال : يا شيخ ! أتحب الموت ؟ قال : لا ، قال ولم ؟! قال ذهب الشباب وشره ، وجاء الكبر وخيره ، فإذا قمتُ ، قلت : بسم الله ، وإذا قعدت ، قلت : الحمد لله! فأنا أحب أن يبقى لي هذا.

فانظر كيف قلبَ هذا الشيخ نظرته للحياة ، فقد نظر إليها نظرة إيجابية ، فهي فرصة للتزود ، وملء خزائن الآخرة بمثل هذه الأذكار التي تدل على التعلق بالله.

ولما وقعت إحدى الفتن -في زمان التابعين – قال أحدهم لصاحبه : يا فلان طاب الموت! فقال له: يا ابن أخي! لا تفعل، لساعة تعيش فيها تستغفر الله، خيرٌ لك من موت الدهر.

المؤكد أن (التقاعد) مرحلة نعيش جوها ، إما ببلوغها أو بالعيش مع من بلغها ؛ لتمضي سنة الحياة ، ضَعفٌ ثم قوة ثم ضعف : “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ “[الروم54] جيل يعقبه جيل ، لتتم سنة الاستخلاف ، وعمارة هذه الأرض.

هذا التصنيف الوظيفي (متقاعد ، وغير متقاعد) فرضته أنظمة العمل ، ليحل موظف بدل موظف آخر ، ولكنه ليس حكماً على الإنسان بالموت ، ولا منعاً له من العطاء في ميادين أخرى ، فهو تصنيف لا يصح أبداً أن يسري إلى بقية حياة المتقاعد.

ربما كانت نظرة المجتمع لهذه الفئة الغالية ، وتقبُّل كثير من هذه الفئة واستسلامه لهذه النظرة له أثره في ما يُسمع أو يُرى من معاناة بعض أفراد هذه الفئة التي بذلت وأعطت فترة من الزمن!

والواقع أن النصيب الأكبر يقع على ذات الشخص ، وطريقة تعامله مع المتغيرات حوله ، وفي طريقة تفكيره ونظرته للحياة.

ولعلي -في هذا المقام – أقف بعض الوقفات التي أرجو أن تضيف شيئاً في هذا الموضوع الحيوي:

إن لكل مرحلة من العمر جمالها .. فالتقاعد عن العمل الرسمي هو في حقيقته انتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى من العطاء ، والعمل ، إذ لا توقف في حياة العبد : “لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ “[المدثر:37].

وصاحب الهمة العالية إذا بلغ هدفاً ، بحث عن هدف آخر مثله أو أعلى منه ليصل إليه ، ولا يوقفه عن السباق إلى مجد الدنيا والآخرة إلا توقف نفسه ، ولئن توقفت دورة الدوام الرسمي ، فلن تتوقف عجلة النفع والانتفاع ، بعمل صالح ، وصدقة جارية.

لذا يجب أن يُفهم كلام العلماء -الذين يتحدثون عن الاستعداد للآخرة – على وجهه ، فحينما يؤمر صاحب هذا السن بالذات بالإقبال على الله تعالى ، والدار الآخرة ، فهذا لا يعني صورةً محددة من الطاعة ، فالعبادات (كالصلاة وقيام الليل ، وقراءة القرآن ، والصدقة ، والصيام ، والحج والعمرة) كلها لون من ألوان القربات ، والجهاد بالمال ، والنفس لون من ألوان القربات ، والتصدي لحل مشكلات الناس لونٌ ، والشفاعة لمن يحتاجها عند المسؤولين لونٌ ،المهم أن يجتهد في عمارة وقته بكل قربةٍ يستطيعها ، وهذا ما فهمه أهل الإيمان من الأوائل والأواخر.

مِنْ منا لا يعرف ذلك الشيخ الذي ضعفت قواه ، وقارب التسعين ، ويدير أعمالاً أثقلت كاهل عشرات الشباب ، ولكنه يعمل بروحٍ لا تعرف الكلل ، دأب في العلم والعمل ، ونفعِ الخلق حتى آخر لحظة من لحظات حياته ؟ إنه الشيخ الإمام عبد العزيز ابن باز!

لم يكن سبب ذلك -كما يظن البعض – علميةُ الشيخ ، فمن العلماء من يصيبه ما يصيب كثيراً من الناس بسبب طريقة نظرته لهذه المرحلة ، فالقضية هي حياة الروح ، وحملُ الهم ، وهذا قدرٌ مشترك بين الناس كلهم ، لا يختص به مسلم دون كافر ، وإني لأعرف رجلاً بلغ الثمانين ، وهو قريب من مرتبة العوام في العلم ، ولكنه يحمل شيئاً يسيراً من العلم ، فبعد أن تقاعد قرر أن يبلغه ، أخذاً بحديث : بلغوا عني ولو آية ، فطاف البلاد ، وهو شيخ كبير يقاد بعربة ..

وأعرف رجلاً قرر أن يحفظ القرآن بعد أن تقاعد فحقق مراده .. إنها حياة الروح ..

بلوغ هذه المرحلة يعني تجاوز سن الأشد -وهو الأربعين – بعشرين سنة ، وهذا ما يجعل العبد المؤمن يفكر كثيراً في نصيبه من هذه الآية الكريمة : “وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ ، وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ “[الأحقاف :15].

قال بعض المفسرين : وفي هذا دليل على أن اشتغال الإنسان بطاعة الله يقوى في هذا الوقت ، ففي الأربعين تناهى العقل ، وما قبل ذلك وما بعده منتقص عنه(1) .

وختاماً .. أذكرك -متعك الله بالصحة والعافية – بما بدأت به أسطري هذه : إن هذا التصنيف الوظيفي (متقاعد ، وغير متقاعد) فرضته أنظمة العمل ، ولكنه ليس حكماً على الإنسان بالموت ، ولا منعاً له من العطاء في ميادين أخرى ، فهو تصنيف لا يصح أبداً أن يسري إلى بقية حياة المتقاعد.

اللهم متعنا بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوانا ، أبداً ما أبقيتنا ، اللهم اجعلنا ممن طال عمره وحسن عمله.

التعليقات (٢) اضف تعليق

  1. ٢
    فاطمه محمد الوباري

    رائع جداً??

  2. ١
    ممدوح

    بارك الله فيك .. كلام يوزن بالذهب .. جزاك الله خير الجزاء ..

اترك تعليق على فاطمه محمد الوباري الغاء الرد

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>