كنتُ يوماً هنا مع (أمي) ..!!

الزيارات: 1473
1 تعليق
https://www.hasanews.com/?p=6238639
كنتُ يوماً هنا مع (أمي) ..!!
رائد البغلي
مع تقلُّب الأجواء ، و الإنخفاض التدريجي لدرجة الحرارة إشارةً لدخول فصل الشتاء ، إذ أُصيبَ ابني “علي” بحُمّى لازمته لأكثر من ثلاثة أيام.
 أخذته في بادئ الأمر إلى المشفى ، و وَصَفَت له الطبيبة التي عايَنَته بعض الأدوية و المُثبِطات ، و بعد مضيّ يومين ، لحظنا بأن الحرارة لم تبرحه ، و أن شهيته معدومة تماماً . قرّرتُ الرجوع به لذات المشفى . حملته إلى السيارة ، و عند وصولنا ، هَمَسَ لي بصوتٍ خفيضٍ مُتعَب :
” بابا .. احملني” ..
 رسالتهُ وصلتني كما ابتغاها ، فقد أوصل لي تعبه و ليس طلبه بأن أحمله.
دخلنا عيادة الطوارئ ، و أبلغتُ الطبيب بأنَّ حرارتهُ لم تنخفض منذ الأمس . وصف له مُغَذّياً .
 اصطحَبَتهُ الممرّضة لغرفةٍ أخرى ، و مدَّدته على السرير. تناوَلَتْ كفّه الصغير ، تفحَّصَتهُ ، ثم وخَزَته بإبرة المغذي. صرخ باكياً من وجعه.
صرتُ أتأمله و هو مُسجَّىً ، و قطرات ذلك المغذي تتدافع في جسده النحيل.
 شَعَرتُ أنَّ المنظر الذي أمامي لم يكن غريباً عنيّ ، فقد كنتُ يوماً في ذات الوضع ، و قد كنتُ منضوياً حينها تحت جناحيْ أمي .
أتذكر ذلك تماماً ، نعم أتذكّر و كأنه بالأمس . أيضاً تأملي لـ ابني “علي” في هذا المشهد جعل ذاكرتي تقذف بي لمشهد قَصيّ آخر .
فعندما كنتُ في الخامسة أو قبل ذلك ، كنتُ أشكو من أوجاعٍ في كلتا ساقَيَّ ، و لا أستطيع النوم من شدّة الوجع . كانت أمي حبيبتي تدلِّكهما و أنا مُستَلقٍ إلى جانبها ، و أُجيب تدليكها بالنحيب حتى تغفو عيناي و أنام .
 بقيتُ على هذا الحال طويلاً ، حتى أخَذَتني أمي إلى المَشفى ، و طلب الطبيب أن أجريَ بعض التحاليل لمعرفة الأسباب ، و بعد بضعة أيام ، اعتمرتُ مع أمي المَشفى مُجدَّداً لمعرفة نتيجة هذه التحاليل .
أبلغها الطبيب بأنني أعاني من الأنيميا المنجليَّة . نزل عليها الخبر نزول الصاعقة ، و لم تُصدّق ذلك .
مالبِثَتْ أن تلقَّت الخبر حتى أهْرِعت كالمجنونة تجوب أرجاء المستشفى كي تسأل كل من تواجهه حتى و إن لم تكن له صلة بالطاقم الطبي . سألت الصيدلي ، سألت فني المختبر ، سألت الممرضة ، و سألت حتى عاملة النظافة.
كانت تعرض الورقة التي تحوي نتيجة التحليل على كل مَن يعترض طريقها . تريد مَن يُفنّد هذه الحقيقة بأي سبيل ،
 أو يشكك بها على أقل تقدير كي تُهدّأ من روعها و تستكين .
تريد أن تسمع ما يَرومهُ قلبها و ليس ما تُمليه هذه الورقة. ربما تمنّت لو أنَّ محتوى هذه الورقة يتمزَّق بتمزيقها.
شَعَرَتْ بأن الوقت الذي يفصل بين كل شخص و آخر من الذين تسألهم طويل جداً.
تمنّت حينها لو كان بإمكانها أن تتحول لمليون قطعة ، حتى تتجه كل قطعة في مليون اتجاه ، و تسأل عن نتيجة تحليلي ، و تدّخر الوقت ، و تحافظ على الأعصاب.
لا أستطيعُ أن أصف الحالة التي كانت عليها بعد تلقي النبأ ، فكيف لمجرّد حروف أن تختزل مشاعر الكون ؟!
عن نفسي ، لم أكن أعلم من الأمر من شيء ، سوى أن أمي حزينة حينها ، و أنني قد أكون سبب حزنها . لم أكن أعلم هل مسّني سوء أم لا ، لكن ما كنتُ على يقينٍ منه هو أنَّ السوء قد أصاب قلب أمي . كنتُ أقفُ على ذات المنصّة . أرنو لحشرجة صوتها ، و لنبراتها المتكسّرة ، و لرعشة الورقة في يدها كلما أومأت بها لأحدهم.
بعد أن تلقَّتْ نفس الإجابة من كل الذين عَرَضَتْ عليهم نتيجة التحليل ، وجدت نفسها مُجبرة لأن تسلّم بالأمر مهما بلغتْ مرارته .
اعتراني شعورٌ بأنها أَذعَنتْ بالنتيجة فعلاً ، فبعد أن كانت تُزجي بها قدماها بسرعةٍ هائلةٍ بين كل شخصٍ و آخر لتسأله عن النتيجة ، وجدتُ خطواتها قد تخاذلت و تقهقرت جرَّاء شعورٍ اكتنفها ، حتى وصلنا إلى بوابة المَشفى.
حينها وجدتها تربَّعتْ هناك و كأنها تنتظر شيئاً ما لم أعلمه ..!
الآن ، و بعد مرور سنوات طوال على هذه القصة ، عفويتي تقودني أحياناً لأن أُذكّرها بذات الموقف ، لكنني أجدها تعيش الموقف بحذافيره مُجدَّداً و ترتسم على مُحيَّاها معالم الحُزن و تغرورق عيناها بالدموع.
هذا غيضٌ من فيض أمي . جسّدتُ هذا الموقف هنا ، و سأرويه لأطفالي .. حتى يعرف الجميع مَن هي .
أمي تشبهني في ملامحها ، لكن كم تمنيت أن أشبهها في قلبها أيضاً.
كان يوماً واحداً من حياتي ، و تجشّمتْ فيه أمي كل هذا العناء ، فكيف ببقيَّة الأيام ؟!
ذاكرتي قد تكون مثقوبة ، لكن مهما بلغ اتساع ثقبها ، فلن يتسرَّب منه موقفٌ بهذا الحجم.
للتواصل مع الكاتب :
Twitter & Instagram :
@RaedAAlBaghli
E-Mail :

 

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    حسااااااوي

    رب اغفرلي ولوالدي كما ربياني صغيرا إجزهما بالاحسان إحسانا وبالسيئات عفوا وغفرانا.

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>