المسؤولية العربية في حظر الانتشار …

الزيارات: 9853
التعليقات: 0
المسؤولية العربية في حظر الانتشار …
https://www.hasanews.com/?p=41127
المسؤولية العربية في حظر الانتشار …
admin

في مثل هذه الأيام منذ ثلاث سنوات، وبالتحديد في 28 مايو/أيار عام 2010 أنهى المؤتمر الدوري الذي يعقد كل خمس سنوات تحت إشراف الأمم المتحدة لمراجعة معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية أعماله التي كانت قد بدأت في الثالث من ذلك الشهر، وأصدر وثيقة اعتبرت، وقتها، بمثابة نصف انتصار لمعركة سياسية ودبلوماسية شديدة التعقيد وعالية المستوى والمهنية خاضتها مصر والدول العربية مدعومة من إيران وتركيا ودول حركة عدم الانحياز في مواجهة الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية الحليفة . كان جوهر هذه المعركة هو “الترسانة النووية الإسرائيلية”، ومايعرف ب”استراتيجية الغموض” النووي “الإسرائيلية” المدعومة أمريكياً . في هذه المعركة قررت الوفود العربية مدعومة من الدول المذكورة فتح “الصندوق الأسود” للقدرات النووية العسكرية “الإسرائيلية”، ووضع الولايات المتحدة أمام مسؤولياتها الدولية كدولة تتزعم السياسة الرافضة لمنع انتشار الأسلحة النووية . وكان التوجه بهذا الخصوص ثنائي الهدف . فقد تقرر أولاً التركيز على ضرورة إلزام الأمم المتحدة والوكالة الدولية والدول الخمس الكبرى أعضاء مايعرف ب”النادي النووي” وهي الدول التي سُمح لها من دون غيرها، بامتلاك اسلحة نووية، وهي نفسها الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن “الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين”، بتنفيذ القرار الصادر عن مؤتمر مراجعة معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية عام 1995 والداعي إلى جعل الشرق الأوسط إقليماً خالياً من أسلحة الدمار الشامل، وثانياً إرغام “إسرائيل” بالتوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية والالتزام بكل التدابير الخاصة بحظر انتشار الأسلحة النووية المقررة من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفي مقدمتها فتح كل منشآتها النووية بحرية وشفافية كاملة، أمام مفتشي الوكالة الدولية إسوة بكل الدول الموقعة على هذه المعاهدة .

كانت بحق، معركة حامية الوطيس بين دبلوماسية عربية مدعومة من دول صديقة في مقدمتها إيران وتركيا والهند وباكستان ومجموعة دول حركة عدم الانحياز وبين جهود أمريكية “إسرائيلية” غربية هائلة هدفها منع إدراج “إسرائيل” وقدراتها النووية العسكرية ضمن أجندة المؤتمر وضمن أجندة الوكالة الدولية للطاقة الذرية والحؤول دون تنفيذ القرار الصادر عن مؤتمر مراجعة معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية عام 1995 بجعل الشرق الأوسط إقليماً خالياً من أسلحة الدمار الشامل .

في هذه المعركة استخدمت الإدارة الأمريكية كل مالديها من أدوات للضغط ووسائل للغواية وإلاغراء، ولم تدخر: “إسرائيل” جهداً في هذا السبيل رغم أنها لم تكن مشاركة في المؤتمر لأنها ليست عضواً بالأساس لعدم توقيعها على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، ومادار في هذه من مواجهات وسجالات وتفاعلات رسم خطوطاً ومعالم واضحة للمسار المستقبلي الخاص بالقضية الأهم الخاصة بانتشار أو منع انتشار الأسلحة النووية .

وفي محاولة منه لاحتواء المعركة وإنجاح المؤتمر من دون خسائر لأي من الطرفين، أو على الأقل بخسائر متوازنة أو أقرب إلى التوازن، اقترح الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مشروع توصية أقرب إلى الحل الوسط هدفه الأساسي هو تسويق تفعيل مطلب تنفيذ قرار جعل الشرق الأوسط إقليماً خالياً من أسلحة الدمار الشامل . نص هذا المشروع على دعوة جميع دول الشرق الأوسط إلى مؤتمر يعقد قبل نهاية عام 2012 هدفه نزع السلاح النووي في الشرق الأوسط وأن يقوم الأمين العام للأمم المتحدة بتعيين منسق خاص يقوم بالدور القيادي في نزع السلاح النووي بالشرق الأوسط، وتنفيذ القرار الصادر بهذا الخصوص . وأمام القبول الذي حظيت به هذه التوصية عملت الإدارة الأمريكية: الرئيس باراك أوباما، ونائبه جون بايدن والوفد الأمريكي المشارك في مؤتمر المراجعة على تفريغ هذا المشروع من مضمونه، وبالتحديد فرص جعل المشاركة في المؤتمر المقترح عام 2012 مشاركة اختيارية غير ملزمة، تمهيداً لإعفاء “إسرائيل” من حضور المؤتمر، أو الالتزام بما يمكن أن يصدر عنه من توصيات .

فقد بادر مستشار الأمن القومي الأمريكي حينئذ جيمس جونز بطلب سفراء الدول العربية في واشنطن للقاء خاص سرعان ما انضم إليه جون بايدن نائب الرئيس قبل يوم واحد من اختتام أعمال مؤتمر المراجعة في نيويورك . وفي هذا الاجتماع جرى إبلاغ السفراء بأن الرئيس أوباما يريد منهم التخلي عن تسمية “إسرائيل” بالاسم في الوثيقة الختامية التي ستصدر عن مؤتمر المراجعة . كما أصّر الوفد الأمريكي المشارك في المؤتمر على أن يكون المؤتمر الدولي المقترح انعقاده عام 2012 الخاص بالشرق الأوسط مؤتمراً من دون آلية تفاوضية تضمن استمراره أو وصوله إلى هدفه الأساسي المتمثل في جعل الشرق الأوسط إقليماً خالياً من الأسلحة النووية .

هذه الضغوط نجحت في تحقيق ثمارها، وإذا كانت الوفود العربية قد رفضت ما عرضه الوفد الأمريكي فإنها قبلت، كحل وسط، باقتراح قدمته إليسون كيلي مندوبة إيرلندا في مؤتمر المراجعة، وهو الاقتراح الذي يقر بأنه إذا كان الهدف من المؤتمر المقترح للشرق الاوسط عام 2012 هو خلق منطقة خالية من السلاح النووي فإن ذلك يمكن أن يتم على اساس ترتيبات يجري التوصل إليها بحرية بين دول المنطقة، ما يعني أولاً أن “إسرائيل” لن تكون مجبرة على حضور هذا المؤتمر، وما يعني ثانياً أن “التفاهم” بين العرب و”إسرائيل” هو المدخل الأساسي لانعقاد المؤتمر، أي يجلس العرب مع “إسرائيل” للاستماع إلى شروطها والقبول بها أو رفضها، وبناء على ذلك يعقد المؤتمر أو لا يعقد، وهذا معناه تسليم “إسرائيل” مفتاح انعقاد أو عدم انعقاد المؤتمر، وهذا ما شجع جيمس جونز ليعلن بعد صدور وثيقة مؤتمر مراجعة معاهدة انتشار الأسلحة النووية يوم 28 مايو/أيار 2012 أن “مؤتمر عام 2012 الخاص بالشرق الأوسط بات محل شك، وأن الولايات المتحدة لن تسمح بعقده ما لم تضمن كل الأطراف بأنه سيعمل على “أسس غير منحازة وبناءة” . أما الحكومة “الإسرائيلية” فقد رفضت تلك الوثيقة وأدانتها ووصفتها ب”النفاق”، وقال بيان أصدرته الحكومة “الإسرائيلية” إن “إسرائيل” بوصفها دولة غير موقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية فإنها “غير ملزمة بقرارات المؤتمر الذي لا يملك سلطة عليها” .

كان المفترض أن تبدأ الدول العربية بالتنسيق مع كل الدول الصديقة داخل الأمم المتحدة وداخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية البناء على ماتحقق في مؤتمر المراجعة في نيويورك عام 2010 وأن تشرع في الإعداد لمؤتمر عام 2012 لتنفيذ القرار الصادر عن مؤتمر المراجعة لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية عام 1995 لجعل الشرق الأوسط إقليماً خالياً من الأسلحة النووية وإجبار “إسرائيل” على التوقيع على معاهدة حظر الانتشار والخضوع لكل تدابير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الخاصة بذلك، لكن أحداً لم يفعل وتفجرت موجة الحراك الثوري العربية وسقطت أنظمة عربية وانشغلت دول عربية بتدابيرها الخاصة لاحتواء تلك الموجة، وانخرط آخرون في تفاعلاتها الساخنة بدول عربية أخرى خاصة سوريا، ومضى عام 2011 وجاء عام 2012 من دون أي تحريك إلى أن بادرت الولايات المتحدة باتخاذ قرار منفرد “بالغاء” المؤتمر المقترح ولكن بصيغة “الإرجاء” متذرعة بالظروف الخاصة للمنطقة في ظل موجة الثورات العربية، و”عدم وجود اتفاق بين الدول المعنية” .

وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية فيكتوريا نولاند إن الولايات المتحدة “تعتقد أن في المنطقة هوة عميقة تباعد بين مختلف الأفكار حول أمن المنطقة وترتيبات مراقبة الأسلحة” . الأهم هو قولها: “إن هذه الاختلافات في وجهات النظر لا يمكن أن يعالجها إلا الالتزام المشترك والاتفاق بين مختلف دول المنطقة”، وأن الولايات المتحدة “لا يمكن أن تدعم مؤتمراً يشعر فيه بلد من بلدان المنطقة بأنه تحت ضغط ومعزول” .

الكلام واضح والمعنى واضح . . من يريد أن يتحدث عن السلاح النووي “الإسرائيلي” عليه ان يجلس مع “إسرائيل” أولاً، ويقبل بشروطها ومشروعها للسلام والمتطلبات الأمنية لهذا السلام . وكل ما يقوله الأمريكيون عن التزامهم بحظر انتشار الأسلحة النووية والانحياز لاستراتيجية منع الانتشار تحول إلى “محض هراء” أمام الانحياز الأمريكي الأعمى للكيان الصهيوني .

رغم ذلك لم يصدر أي رد فعل عربي له اعتباره سوى إعلان مصر انسحابها من أعمال اللجنة التحضيرية لمؤتمر المراجعة الذي سيعقد عام 2015 .

موقف مصر وحدها لا يكفي من دون موقف عربي متماسك بتنسيق مع كل الدول الصديقة والشريكة في مسعى منع انتشار الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل، أما أن يبقى الموقف العربي صامتاً والنظام العربي عاجزاً فلن يكون له غير معنى واحد هو أن العرب باتوا شركاء في تأمين التفرد “الإسرائيلي” بامتلاك السلاح النووي بكل ماتعنيه مثل هذه الشراكة من كوارث على العرب أولاً قبل غيرهم .

نقلاً عن صحيفة "الخليج" الإماراتية

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>