الأبيض أغلى من الأسود

الزيارات: 1028
التعليقات: 0
الأبيض أغلى من الأسود
https://www.hasanews.com/?p=37092
الأبيض أغلى من الأسود
admin
الأبيض أغلى من الأسود

كنت في مسامرة تجمع الأحبة في أمسية ثقافية تتخللها حوارات شاملة يؤطرها فرسان أكاديميون بمختلف تخصصاتهم الفكرية بتعدد مشاربهم وتنوع أطروحاتهم وهذا ما يثري الحوار ويشدك للحضور والالتزام بأدب الحوار 0

تلك الليلة كانت غريبة لأنها أخذت منحى مختلف عن بقية المسامرات حيث خرج حوارها عن إطاره المألوف ودخلنا في نقاشات استغربتها من أكاديميين لديهم القدرة لتغطية أي محور يثار دون أن يستفز أحد بالدخول في متاهات العنصرية والتفرقة بين البشر حسب ألوانها وهذا ما نهانا عنه ديننا الحنيف 0

فالتزمت الصمت تأدباً حتى لا أزيد النار حطباً علُي أستنتج أصل البدايات التي فاتتني وتواصل الحماس حتى أنبري أحدهم وقال وفي الفنادق ذات الخمسة نجوم بثمانية ريالات وتزيد وهنا أرتفع حاجبي مشدوها وتدخلت مقاطعاَ صاحبي وما دخل الفنادق في هذه القضية فأجابني ممازحاَ لأنك ما تسكنها ولا تأكل فيها وزادني حيرة ورجوته أن يفصح لي العبارة يمكن أفهم هذه الطلاسم وأعيش معكم متحمساً في الحوار فأجابني برحابة صدر وقال إننا في المملكة نشتري لتر الماء أغلى من لتر البنزين وهذا ما نعنيه بالأبيض والأسود وهو محور حديثنا هذه الليلة 0

فضحكت من كل أعماقي عن تفسيري للحوار بأنه العنصرية المقيتة وإذا بها تجنح الى عنصر الحياة والذي به كل شئ حي هنا كان لا بد لي من المشاركة في الحوار فاستأذنتهم لإبداء الرأي فأجابني أحدهم بأن رأيك مفهوم مسبقا لأنك تعمل في مؤسسة تحلية المياه وستكون مدافعاَ شرس على استهلاك المياه وهذا يناقض ثقافة المجتمع السائدة على الاستهلاك في كل شئ 0

فأجبته إن كل دولة ربي حباها بميزة والمملكة كان نصيبها من هبة الرحمن البترول ودول أخرى وهبت الأنهار والمياه العذبة فحرصوا عليها ولم يسرفوها وشحت لديهم منابع النفط فطلبوها بالميزان ولكن أسلوب استعمالنا للمياه يفتقر الى الترشيد بالرغم من شح وجودها ونسئ استخدامنا لها وهي نادرة وتحلية مياه البحر مكلفة كما تطرق لها بعض الأخوة 0

وإذا عرفنا أن هناك أكثر من جهة حكومية تحاول جاهدة المحافظة على المتوفر منها وتقنن بإرشاداتها أسلوب التعاطي مع هذا المنتج بشكل أمثل فهناك مؤسسة تحلية المياه كمنتج رئيسي لمياه البحر والمديرية العامة للمياه التابعة لوزارة الماء والكهرباء كمنتج مساعد لمياه الآبار ومسؤولة عن شبكات التوزيع وصيانة التمديدات وهناك أيضا هيئة الري والصرف بالأحساء وكذلك شؤون المياه في وزارة الزراعة لري المزارع كل ذلك من أجل رسم سياسات توزيع المياه والمحافظة على المتبقي وهذا يعني صرف ميزانيات رأسمالية ضخمة لضمان استمرارية تدفق المياه للمواطنين 0

وهذا يجعلنا أمام أرقام مذهلة تجبرنا بالمطالبة بالترشيد واستيعاب المشكلة بوعي وإدراك المستقبل حيث أن إهمالنا لمصدر حياتنا ويهدد أجيالنا القادمة بتصحر الأراضي ونضوب شريان الحياة فكم هو مكلف هذا الهدر الذي نراه يمارس في كل بيت ومزرعة 0

أنبوب يتسرب بلا راعي وصنبور يصرخ بلا اهتمام وبرك تملأ بلا داعي وخزانات الطرد في الحمامات تنضح ومغاسل المطبخ تطفح وغسيل الأرضيات والسيارات بلا هوادة ومضخات الدفع لزيادة الضغط على الاستهلاك بلا مبرر خراطيم المياه تسفح في كل شبر في الحدائق إسراف ثم إسراف ثم إسراف فوق المألوف 0

هل نعلم إن المسرفين كانوا إخوان الشياطين وهل نعلم إن ذلك الهدر هو من دخلنا القومي الذي مصدره ذلك الأسود ولكي نتحكم في الأسود علينا المحافظة على الأبيض لأنهما متوازيان ومتكاملان فدعونا نرعاهم لنرعى لأجيالنا غدٍ مشرق مجرد أمل ********

بقلم
محمد عبدالرحمن المعيبد

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>