لا يزال الشاب علي حرازم يعيش زهو الفخر بتلك اللحظات التي وقف خلالها أمام قادة دول منظمة المؤتمر الإسلامي الذين اجتمعوا في العاصمة السنغالية دكار في التاسع من ديسمبر 1991م لعقد مؤتمرهم السادس لهذه المنظمة العريقة والكثيفة بعدد الدول المنتمية لها فقد كان حرازم هو من تلا بعض آيات القران الكريم في حفل افتتاح ذلك المؤتمر الذي أعقب حرب تحرير الكويت وبداية أفول فكر الاشتراكية ومعسكرها الشرقي المتمثل في الإتحاد السوفيتي والإعداد العالمي لمؤتمر السلام في مدريد كما تزامن مع تلك الفترة بوادر الاعتداء الصربي الغاشم على مسلمي البوسنة والهرسك " الجمهورية الإسلامية الجديدة التي أعلنت سيادتها واستقلالها آنذاك عن الجمهورية اليوغوسلافية في عام 1991م " .
قرابة الـ 20 عاما مرت منذ ذلك المؤتمر الذي يقدم حرازم نفسه للغير بشرف المشاركة فيه دون إن يستشعر مضمونه وأهميته سوى لاحقا عندما اشتد عوده وأغرته الهجرة إلى فرنسا للعيش الدائم هناك , كما لا يزال القران الكريم الذي قدمته آياته أمام القادة هو نفسه مصدر رزقه الآن حيث يتولى تعليم القران الكريم والإمامة في احد مساجد ضواحي باريس وهو فخور بهذه المهمة حسبما أبدى لي في طريق عودته عقب أداء العمرة , بل تحدث الرجل مطولا حول معاناة مسلمي فرنسا الآن وهم يشكلون الديانة الثانية هناك بعد الكاثوليكية بنسبة تقديرية تصل إلى 8% من تعداد السكان رغم إن قانون الإعلام والحريات الفرنسي يمنع تعداد المواطنين حسب انتمائهم العرقي او الديني او الفلسفي سوى إن إجمالي تعداد الشعب الفرنسي يصل إلى 60 مليون نسمة , ومعاناة هناك المسلمين كما يصورها الأخ حرازم صورة طبق الأصل لمعاناة عموم مجتمعاتنا المسلمة الآن والتي تغزوها حالة مبطنة من الاجتهادات الضمنية بين أفرادها فيبالغون اجتهادا في البحث عن الفتاوى واستجلابها من مصادر غير موثوق غالبا او الاعتماد على مشايخ الفتاوى المستعجلة عبر الهاتف , فذاك يتصل بالشيخ الفلاني وأخر يخالفه الرأي ويجتهد بالرد بفتوى من شيخ أخر , حتى إن أقرب موقف حسبما يذكر الأخ حرازم إن احد المجتهدين أخذته الحماس بشأن النقاب او الغطاء الكامل لوجه المرأة الذي تعتزم عدد من الدول الأوربية تطبيق منعه خلال الأشهر القادمة فأتصل الأخ بهاتفه وعلى مسمع من الحضور بأحد المشايخ غير المعينين للفتيا في دولة عربية ما فجاءته الإجابة بضرورة الالتزام الكامل بالغطاء درءاًً للفتنة وإلا كانت الهجرة من البلد اوجب وأحوط !! ولكن إلى أين يذهب هؤلا الـ 8 في المئة من سكان فرنسا او غيرها من بلاد الله إن اخذوا برأي ذلك الشيخ ومن يتدبر أمور معيشتهم وأين يتعلم أبنائهم ولمن يخلون المكان الذي يستشعرون فيه بحرية ممارساتهم الدينية المكفولة بحكم القانون الفرنسي , اعتقد إن في الأمر خلل ما في فهم مقتضيات الفتوى وظروف تعميمها فلكل فتوى ظروفها ولكل مجتمع ظروفه اجتماعيا وامنيا , كما إن مسألة الحجاب وماهيتها وجوبا وشكلاًً فيها اخذ ورد بين علماء المسلمين , كما ويبدو تكرس التواتر بالظاهرة والشيوع وأحكام العادة والموطن في مسألة الحجاب أكثر من التواتر بالأحكام ونصوص الأدلة وهو ما يجر إلى الخلاف والى البحث خاصة في ظل العولمة وحالات التسييس لكثير من قضايا المسلمين بما فيها الفقهية منها, وحتى لا أشط بالقارئ بعيدا عن فكرة المقال بالخوض في الأدلة ومدلولاتها فلذلك أهله وناسه , وما وددت الذهاب إليه مجرد محاولة الفهم لكائن من كان ممن يفتي دون إن يثق في السائل ومراده وظروف سؤاله لحالة فقهية هي في الأصل محل للرأي والاجتهاد وفقا لزمانها ومكاناها ودون إن يكون لمجتهد الإفتاء هذا علم واطلاع بمقتضيات المسألة كمن أوجب الهجرة على أخواننا المسلمين في فرنسا حين يضيق بهم الحال مع الحجاب , إنما إلى أين وكيف فلا احد يعلم فربما تفضي ظروف هجرتهم التي نصح بها الشيخ إلى حالة من اثنتين أولاها إن يجدوا في ارض الله مكانا لا يختلف فيه الناس على الحجاب فيستكينوا ويستقروا وثانيها إن من اخذوا بالفتوى وعزموا الهجرة لن يجدوا من المجتمعات ما يوافق مبتغاهم فيتيهوا مع أهلهم في الأرض وتلك فتنة أخرى لم يقل ذلك المفتي بشأنها شيئ. وعودة إلى صديقنا الفرنسي السنغالي الأصل حرازم والذي يؤكد من واقع اطلاعه ومعايشته عن قرب لواقع المسلمين في المهجر إلى حاجة المسلمين في فرنسا وغيرها عموما للبحث في مسألة مصادر الفتوى والحد من تضارب الآراء فيها وبتر مهمة الدخلاء والمأجورين من خلالها , فتلك المسألة حسب رأيه تحتاج إلى مؤتمر للقمة يحضره الرؤساء والمفتين والى التعميم بشأنها على المراكز الإسلامية والبحثية المعنية بأمور المسلمين وأحوالهم في كل أنحاء العالم للحد من التمادي في هذا الجانب ولسد الباب بقوة على الدخلاء وهواة الفتنة ومستغلو أحوال المسلمين وعلاقاتهم مع الشعوب والأديان الأخرى وهمتهم المدعومة لشق عصى الوحدة وبيان الفرقة والمعاداة للغير ولتمرير أجندات دخيلة على ثوابت الدين وسماحته ولتهنأ الشعوب الإسلامية أينما كانت بسماحة الدين والتعايش الجميل كما حياه الأولون بعد وضع الحد المناسب لأمثال هؤلا الدخلاء.